يحيي بن حمزة العلوي اليمني

195

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

( المرتبة الثالثة ) ما كان من معقول اللفظ ، ويندرج تحت هذا جميع الاستنباطات الفقهية التي أخذت من غير ظاهر اللفظ ، فإذا حرم الخمر بنص فإنا نحرم غيرها بجامع الشدة والسكر ، بمعقول اللفظ ودلالته عند ورود التعبد بالقياس ، فهذه دلائل الألفاظ ، فأما التعريض فليس يفهم من جهة اللفظ ، ولكنه مدلول عليه بالقرينة ، خلافا لما زعمه ابن الأثير ، من كونه مفهوما من طريق المفهوم كما قررناه ، ولنذكر له مثالين . المثال الأول : للتعريض في خطبة النكاح ، كما أشار إليه تعالى في قوله : وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ [ البقرة : 235 ] وهذا كقول الزوج : إنك لمرغوب فيك ، لأحوالك الجميلة ، وإني لمحتاج إلى ما آنس به ، فهذا وأمثاله مما لا يدل على النكاح بحقيقته ، ولا بمجازه ، ولا من جهة ظاهره ، ولا من جهة مفهومه ، وإنما هو حاصل من جهة القرينة وأحوال الشمائل والشيم . المثال الثاني : قولك لمن تتوقع صلته ومعروفه بغير طلب : والله إني لفقير ، وإني لمحتاج وما في يدي شيء ، وإني عريان ، والبرد قد آذاني . فهذا وأمثاله تعريض بالطلب ، وليس دلالته على الطلب لا من جهة حقيقته ، ولا من جهة مجازه ، كما أشرنا إليه ، ومن ثم قيل له تعريض ، لما كان المعنى منه مفهوما من عرضه ، أي جانبه ، وعرض كل شيء جانبه ، وهو كثير الدور في الكلام ، وله مدخل في البلاغة . وموقع عظيم ، فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر أمثلة التعريض ، ثم نردفه بذكر التفرقة بينه وبين الكناية فهذان مقصدان نوضحهما بعون الله تعالى . المقصد الأول في بيان أمثلته اعلم أن كثيرا من علماء البيان لا يميزون بين التعريض والكناية في الماهية ، وقد ميزنا كل واحد منهما بحده ، وكثيرا ما يخلطون أمثلة هذا بهذا وهما مفترقان كما أشرنا إليه ، ونقتصر من الأمثلة على ضروب خمسة .